محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

287

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

وقال الحسن : إنّ الشيطان ناداهما وهو خارج الجنّة ؛ فسمعاه في الجنّة . وقال قتادة « 1 » : إنّ لإبليس خرطوما طويلا كخرطوم الفيل إن شاء طوّله وإن شاء قصّره ؛ وممّن ذهب إلى هذا التأويل من يزعم أنّ الجنّة التي أهبطا منها هي من جنان الدنيا ؛ لأنّ اللّه تعالى قال : إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ؛ وقوله : اهْبِطُوا لا يدلّ على أنّها في السماء ، بل كانت في ربوة من الأرض ؛ ولفظ الهبوط لا يدلّ على النزول من علوّ ؛ لأنّ اللّه تعالى قال : اهْبِطُوا مِصْراً وقول يوسف لأبيه وإخوته : اهبطوا مصر إن شاء اللّه ؛ ولو قلنا : إنّها جنّة في السماء فقد ورد الخبر بأنّ إبليس كان قد لعن وأخرج من الجنّة قبل ذلك ، كما قال : اخْرُجْ مِنْها مَذْؤُماً و فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ ؛ * وكان بعد في السماء ؛ فيحتمل أنّهما لقياه على باب الجنّة عند خروجهما منها ؛ ويحتمل أن يكون إبليس وسوس إليهما وهو خارج الجنّة ، كما قاله ابن إسحاق . والذي عليه الصحابة والتابعون وجمهور أهل التأويل أنّ الجنّة ( 124 ب ) التي أهبطا منها هي التي في السماء ، وأنّ إبليس احتال في التوسّل إلى آدم وحوّاء ودخل الجنّة ، والذي يدلّ عليه قوله تعالى : وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ ، ولا سبيل إلى حمل ذلك على الوسوسة . فإن قال قائل : « 2 » على أيّ وجه وقعت المعصية من آدم - عليه السلام - مع ما اصطفاه اللّه تعالى بالسجود له ونهاه عن الافتتان بقول الشيطان وأخبره بأنّه عدوّ لهما ؟ ! قيل : إنّه أكل منها ناسيا للنهي ولم يقصد المخالفة بدليل قوله تعالى : فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً ؛ وإنّما عوتب على ذلك ؛ لأنّ اللّه تعالى يعاتب الأنبياء - عليهم السلام - على ترك التحفّظ ؛ وقال قائلون : إنّ حوّاء سقته الخمر ؛ فحملته على تناول الشجرة في حال سكره وعنّ لهما الشيطان ؛ والقولان كما تراهما . أمّا النسيان فقد زال ، إذ قال الشيطان : ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ ؛ فذكّرهما بالنهي وقرّر أنّ النهي لماذا كان ، والحمل على السكر أشنع من الأوّل .

--> ( 1 ) . في الهامش عنوان : التفسير . ( 2 ) . في الهامش عنوان : السؤال والجواب .